أحمد مصطفى المراغي
63
تفسير المراغي
اللّه إذا حاق بهم ، وقد كانوا في الدنيا يتناصرون ، فكان لهم مطمع في النصرة يومئذ بحسب ما يعرفون . ثم ذكر ما هو كالفذلكة لما تقدم ، وبين سوء حالهم في الدارين فقال : ( وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) أي وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيا وغضبا منا عليهم ومن ثم قضينا عليهم بالهلاك والبوار وسوء الأحدوثة ، ونحن متبعوهم لعنة أخرى يوم القيامة ، فمخزوهم الخزي الدائم ومهينوهم الهوان اللازم الذي لا فكاك عنه . ثم بين سبحانه الحاجة التي دعت إلى إرسال موسى ليكون كالتوطئة لبيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على رسوله صلى اللّه عليه وسلم فقال : ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) أي ولقد أنزلنا على موسى التوراة وفصلنا فيها الأحكام التي فيها سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم من بعد ما أهلكنا الأمم التي من قبلهم كقوم نوح وهود وصالح ، ودرست معالم الشرائع وطمست آثارها واختلت نظم العالم ، وفشا بينهم الشر ، ورفع الخير . فاحتاج الناس إلى تشريع جديد يصلح ما فسد من عقائدهم وأفعالهم ، بتقرير أصول في ذلك التشريع تبقى على وجه الدهر ، وترتيب فروع تتبدل بتبدل العصور واختلاف أحوال الناس ، وفيها التذكير بأحوال الأمم الخالية ، ليكون في ذلك عبرة للناس ، ونور لقلوبهم ، تبصر به الحقائق ، وتميز لحق من الباطل ، بعد أن كانوا في عماية عن الفهم والإدراك ، وتهديهم إلى ما يوصلهم إلى القرب من ربهم ، ونيل رضوانه ومغفرته ورحمته ، ليتذكروا نعم اللّه عليهم فيشكروه عليها ، ولا يكفروا بها . قال أبو سعيد الخدري : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما أهلك اللّه قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة